ابو البركات

42

الكتاب المعتبر في الحكمة

لما شعروا به من إحاطة البحر بها وارتقوا بمثل هذا النظر إلى السماء واعتقدوها كخيمة فوق الأرض فمنهم من قال إنها كذلك سماء فوق سماء إلى ما لا يتناهى ومنهم من قال إنها تتناهى ووراءها الخلاء الذي لا يتناهى وهو المكان الذي تتحرك فيه فإنهم لما رأوا ان المتحركات التي عندهم انما تتحرك إذا لم يكن في جهة حركتها مانع كالجبل والجدار بل تتحرك فيما لا يمنعها ملاقاته كالفضاء والهواء والماء فاعتقدوا انه لا حركة الا في خلاء ثم إن الأذهان بفطرتها أو بعرفها وعادتها اقتضت خلاء بعد ملأ أو ملأ بعد ملأ واما انتهاء الملأ إلى ما ليس بخلاء ولا ملأ فلم تتصوره الأذهان وما لا يتصور فكيف يحكم به ثم إن أهل النظر لما تأملوا قليلا بما رأوه من طلوع الكواكب وغروبها على قوم دون قوم وعلى صقع بعد صقع وقبل صقع شرقا وغربا وجنوبا وشمالا عرفوا من ذلك ان السماء كرية وان الأرض أيضا كرية ولما رأوا استقلال ذوات الأثقال عليها ووقوعها من جوّها إليها في كل موضع من الأرض على أقرب مسافة في خط مستقيم واستقلالها عليها انما يكون إلى جهة السماء وان كريتها لم تجعل قوما يميلون وقوما يستوون كما يكون على كرة بعضها « 1 » على وجه الأرض علموا ان الأرض مهبط الأثقال كلها وانه يصح ان يكون في المعمورة قوم يكون وضع اقدامهم على مقابلة وضع اقدام قوم آخرين في موضع مقابل لموضعهم ويكون رؤوسهم يلي الجهة التي يتصورونها هؤلاء سفلى لما عرفوه من كرية الأرض حتى لو توهم متوهم خروج خط من عند رأس رجل في هذا الموضع من الأرض مارا على جسده إلى رجليه لصح ان يذهب على استقامته خارقا للأرض حتى يلقى أول ما يلقاه من السطح الآخر مستقر قدمي الشخص الذي في الموضع المقابل له وينتهى على استقامته إلى عند رأسه فيكون كل واحد منهما منكس الوضع بالقياس إلى مكان الآخر وسفلا أو علوا بالقياس اليه واستقلال ذاك على ارضه كاستقلال هذا على ارضه فلما صح هذا عندهم بالنظر علموا ان الماء يحيط بالأرض بالطبع وحيث لقى منها على وضع الإحاطة استقر فيه وعلى غير

--> ( 1 ) سع - بصفها .